ابن أبي الحديد
386
شرح نهج البلاغة
تعالى : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) . ثم تعجب من اختلاف حجج الفرق في الدين وخطئهم وكونهم لا يتبعون أقوال الأنبياء ، ولا أقوال الأوصياء ، ثم نعى عليهم أحوالهم القبيحة ، فقال : إنهم لا يؤمنون بالغيب ، أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه ، ولا يكفون عن الأمور القبيحة ، لكنهم يعملون في الشبهات ، أي يعملون أعمالا داخلة في الشبهات متوسطة لها ، ويسيرون في الشهوات ، جعل الشهوات كالطريق التي يسير فيها الانسان . ثم قال : المعروف فيهم ما عرفوه ، أي ليس المعروف عندهم ما دل الدليل على كونه معروفا وصوابا وحقا ، بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حق ، سواء كان حقا في نفس الامر أو لم يكن ، والمنكر عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف . ثم قال : إنهم لا يستشيرون بعالم ، ولا يستفتون فقيها فاضلا ، بل مفزعهم في الأمور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم ، ولقد صدق عليه السلام ، فإن هذه صفات من يدعى العلم والفضل في زماننا وقبله بدهر طويل ، وذلك أنهم يأنفون من التعلم والاسترشاد ، فالبادئ منهم يعتقد في نفسه أنه أفضل من البارع المنتهى ، ومتى ظفر الواحد منهم بمبادئ علم وحمله ، شرع في التدريس والتصنيف ، فمنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء ، وأنف من سؤالهم عن الأمور المشكلة ، فدام جهله إلى أن يموت . ثم قال : ( كأن كل واحد منهم إمام نفسه ) ، ويروى بحذف ( كان ) وإسقاطها . وهو أحسن .
--> ( 1 ) سورة الأعراف 179 .